أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
70
التوحيد
مسألة [ الوصف للّه تعالى والتسمية لا يوجبان التشابه ] قال أبو منصور رحمه اللّه : أنكر قوم أن يكون صفة للّه ذاتية يوصف بها ، أو اسم ذاتي يعرف به ، وظنوا أن ذلك يوجب التشابه ؛ إذ له اسم كما كان لغيره ، وقالوا : وإذ لم يجز أن يكون له موافقة في شيء من جملة الخلق - على الإشارة إليه - كان أدلة تحقيق الموافقة بالاسم الذي لكل شيء أحرى ؛ ولهذا أنكروا القول بالشيء والعالم والقادر ، وضربوا له المثل - بأن القول له وفيه - بالمكان ؛ إذ يوجب التشبيه والحدّ ، فهو بكل مكان ، كذلك إذ للأمكنة نهاية ، فالوصف بها وبالواحد منها واحد ، فمثله الأول ، وباللّه التوفيق . وأما الأصل عندنا أن للّه أسماء ذاتية يسمّى بها نحو قوله الرحمن ، وصفات ذاتية بها يوصف نحو العلم بالأشياء والقدرة عليها ، لكن الوصف له منّا ، والاسم إنما هو بما يحتمله وسعنا وتبلغه عبارتنا بالضرورة ، إذ سبيل ذلك إنما هو عن المعروف في الشاهد ، وذلك يوجب التشابه في القول ؛ إذ عن معروف به في الشاهد قدّر ، ولكن الضرورة أطلقت لنا على نفي المفهوم من الشاهد لينفي به الشبه ، ونسميه بالذي ذكرت ضرورة ، ولو احتمل وسعنا التسمية بما لا يسمّى به غيرنا نسميه ، لكنه إذ كان الشاهد دليله وبه يجب معرفته فمنه قدّر اسمه على ما يقرب من الفهم بما يريد به ، وإن كان اللّه يتعالى عن أن يكون له مثال أو شبه . ألا ترى أن العبارة التي بها نسمّيه عالما قادرا في الألسن مختلفة من غير أن كان ثمة اختلاف ، فيدلّك أن الأسماء التي نسميه بها عبارات عما يقرّب إلى الأفهام ، لا أنها في الحقيقة أسماؤه . ولما تأخذ القلوب منها معاني يتعالى عنها قرن بالتسمية حرف نفي ، فجعل التوحيد إثبات ذات في ضمن نفي ، ونفيا في ضمن إثبات على ما فسرت ، وباللّه التوفيق . ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرّسل والكتب السماوية بها ، ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقض التوحيد ، وهم جميعا دعوا إلى عبادة الواحد وإلى معرفة وحدانية الباري ، لم يجز أن يكون ذلك مما يحقق العدد ويثبت الموافقة للخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . ولكن لما احتملت تلك الأسماء خروج المسمى بها عن المعروفين من المسمّين بها جاز مجيئهم بها مع قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] لينفي به شيئية